لماذا نقرأ ؟ وهل القراءة حقا حياة ؟

13 ديسمبر 2017 - 9:48 ص

يقول العقاد: (أهوى القراءة لأنّ عندي حياةً واحدةً في هذه الدنيا، وحياة واحدة لا تكفيني، ولا تُحرّك كل ما في ضميري من بواعث الحركة. والقراءة دون غيرها هي التي تعطيني أكثر من حياة واحدة في مدى عمر الإنسان الواحد، لأنها تزيد هذه الحياة من ناحية العمق، وإن كانت لا تُطيلها بمقادير الحساب). ومعناه أنّه بالقراءة يعيش الإنسان أكثر من حياة، ومنذُ خُلِق الإنسان كانتْ فكرة الخلود هاجِسًا لا يُفارقه، وعلى إيقاع نغمات هذا الخلود السّاحرة استطاع إبليس أن يُغويَ آدم ويُغريه: “قال هل أدلّك على شجرة الخُلدِ ومُلْكٍ لا يَبْلَى”، والقراءة نوعٌ من العروج إلى ذلك الخلود الخفيّ.
اذا كانت القراءة هي المتعة فلماذا لا نتذوق رحيقها ولا نستفيد منها؟ لم تتعرف بعد على هذا الإحساس؟ أنها ليست سوى مسألة وقت وعزيمة والقليل من البحث. لا تكن مثل هؤلاء الأطفال الذين يقولون ” أنا لا أحب”, تذوق أولاً تحسس واشعر لا تتردد في طلب المشورة من أمين المكتبة، من معلمك أو أقرانك ولا تنعتهم بالمثقفين كن واحداً منهم وتقدم.
عالم القراءة عالم ثري لامتناهي لديه دائما ما يقدمه لنا. إذا قرأت رواية خاصةً ما إذا كانت خيالية ، تجد خيالنا بدأ بالتجوال والغوص في عالم جديد من العجائب. مما يجعلنا غير قادرين على تمييز بين ماهو واقع وخيال. لهذا نجد بعدها الناس مدمنين القراءة ويستشعرون حلاوة هاته العوالم الجديدة. الخيال هو الجامعة الإنسانية التي فيها نتعلم التفكير الإبداع الخلق الإنشاء الابتكار. وهو بمثابة عضلات إذا لم تتحرك تقلصت.
القراءة غذاء الروح، أنها تجربة التجديد، بها يهتز كياننا وتنمو حواسنا مما يسمح لنا بالعمل بشكل أفضل وبأكثر إنتاجية، ولكن لماذا القراءة مهمة؟
• نقرأ لنرتقي
كلما زادت معارفنا كلما ازدادت رغبتنا في تعلم ألمزيد والعكس صحيح أيضا في كثير من الأحيان: كلما ازداد جهلنا كلما اعتقدنا أننا علامة وأنك ملماً بكل شيء. القراءة تساعد على تطوير العقل وفتحه على طرق أخرى للعيش والتفكير، تعرفنا على عوالم جديدة على الطبيعة البشرية، على الثقافات الأخرى، على مجموعة واسعة من المواضيع التي كنت قد لم تستوقفنا قط من قبل. سيساعدك هذا على فهم الناس والعالم من حولك. من الصعب أن تكون جيدا في المدرسة إذا كنت لا تحب القراءة. الطلاقة في القراءة تسمح لك بتحسين أدائك في جميع المجالات، لأنك تفهم ما كنت تقرأ: الجغرافيا، الرياضيات، الخ
• نقرأ لنسترخي
• في أغلب مجتمعاتنا، تجد الناس يبحثون عن وسائل لتقليص من حدة التوتر والضغط كمشاهدة الأفلام أو شرب الكحول في حين أن القراءة تمكنك من تعيش لحظات استرخاء مهدئاً بذلك في حدة أعصابك تتعود على التحكم بنفسك. توجه عقلك وتجعله مركزاً حول ما يدور في أحداث الكتاب. هذا التأثير على العقل يساعد على نسيان وتجاوز كل ماهو سلبي في عالمك الخاص وما يدور من حولك. هذا الهروب ليس فقط مفيد للصحة وإنما يجعلك تشعر بتحسن. القراءة غذاء الروح، أنها تجربة التجديد، بها يهتز كياننا وتنمو حواسنا مما يسمح لنا بالعمل بشكل أفضل وبأكثر إنتاجية .
• نقرأ لنتواصل
كثير من الناس لديهم آراء، ولكن قلة منهم يجدون التجادل، وهذا يعني شرح واضح لوجهات نظرهم مع حجج قوية. لتكون قادرا ومتمكناً، يجب أن تكون معلوماتك جيدة ومهكلة حسب معارفك. أن تكون قادرا على التعبير عن ما يخالجك سواء أن كان شفهيا أو كتابيا هو ميزة كبيرة تمكنك من التواصل مع الآخرين و مع نفسك. لذلك يجب أن نقرأ. من تعود القراءة سيكون سلساً وفصيحاً في استعمال ومعالجة اللغة بطلاقة كتطوير المفردات والمنطق. فإتقان اللغة سيكون بمثابة حصن منيع ضد العنف والتطرف، فتجنبه القفز إلى المواجهة الفعلية . فالذي يكون غير قادر على التعبير بالكلمات سيكون سريع اليدين. الجميع يتحدث عن التواصل، فالتكنولوجيات الحديثة مثل الهاتف، الإنترنت الشبكات الاجتماعية، الخ… قد لا تتمكن في جمع الناس معا وقد يكون العكس صحيح في بعض الأحيان. إضافة إلى ذلك، ليس ثراء التكنولوجيات هو تجعل الذي يبني حوار حقيقي وبناء.

وماذا يعني أنْ تقرأ كتابًا جيّدًا؟ معناه أنْ تقرأ فيه كلّ الكتب المختبئة خلفه، تلك الكتب الّتي انصهرتْ في عقل الكاتب ووِجدانه، ثُمّ قدّم شَهدَها المُذاب على شكلٍ سطور. أنا أقرأ لأنّ العالَم الّذي أعيشُ فيه يعجّ بالفوضى واللامنطق، الكتاب يجعلني أعيشُ في عالَمه، عالَمه حتّى لو كان خياليًّا يبدو أكثر منطقيّة من واقعنا المريض. أنا أقرأ لأنّ لديّ في اليوم أربعًا وعشرين ساعةً فحسب، وإنْ لم أقرأ، فستسمرّ الحياةُ بالضّياع، وستتدفّق باتّجاه الخُواء. أنا أقرأ لأنّ التجربة علّمتْني أنّ وقتَ القراءة هو الوقت المُكتَسَب وما سِواه ضائعٌ أو أكثره يذهبُ سدًى وبلا طائل.

أنا أقرأ لأنّ التّجربة علّمتْني أنّ أرقى المُتع الحسّيّة هي تلك الّتي تخلو فيها إلى كتابٍ يتجاوز بكَ حدودَ الزّمان والمكان. أنا أقرأ لأنّ لي عينَين، أرى بهما عالَمي المحسوس الّذي يبدو متناهِيًا في الصّغر، والكتاب له آلاف العيون الّتي تفتح لي النّوافذ على عوالم لا متناهية. أنا أقرأ لأنّني أريدُ أنْ أتجوّل في عقول الآخرين، وأدخل دروبهم الّتي دخلوها، وأبيتُ في المَنامات الّتي باتوا فيها، وأسهر في اللّيالي الّتي سهروها، وأستمتع بالمناظر الّتي استمتعوا بها. أنا أقرأ لأنّني أريدُ أنْ أتخلّص من بعض الحماقات الّتي أرتكبها أحيانًا، أريد أنْ أتطهّر من لوثة اللّهاث وراء كلّ شيءٍ بلا جدوى، أريد أنْ أتخلّى عن بعض السّذاجات الّتي توقعنا فيها الحياة بحُكم علاقاتنا مع الآخَرين.

أنا أقرأ لأنّ الكتاب أفضل من كثيرٍ من البشر، أكثرُ حكمةً منهم، أشدّ وفاءً، وأصدقُ لهجةً، وقادرٌ على أنْ يفهم تناقضاتي أكثر منهم، يعرف كيف يُبكيني ويُضحكني، وكيفَ يُميتني ويُحييني. أنا أقرأ لأنّه قد لا تسنح لي فرصةً لألتقي كاتبي المُفضّل إلاّ عبر أوراقه، ذلك الكاتب الّذي يخطفني منّي، وأتبعُ رائحة الكلمات خلفه مشدوهًا، لأنّه يعرفُ كما قال مُظفّر: “تنويني وشدّاتي وضَمّي وجُمُوعي”! أنا أقرأ لأنّني أعتقد أنّ في القراءة غموضًا ومغامرة، غموضًا مثل من يدخل غابةً في اللّيل فيها ألفُ سِرّ، ومغامرة مثل مَنْ يمشي في حقلٍ مزروعٍ بالألغام. على القلب أنْ يتوقّف في الدّقيقة سبعين مرّة من أجل أنْ يلتقط الأنفاس جرّاء ما يشعر أو يتوقّع .

أنا أقرأ لأنّني لا أريدُ أن أحيا الحياة الّتي أرادَها الآخَرون لي، ولا أنْ أسير في الدّروب الّتي سارَها النّاسُ أمامي، ولا أن أتوقّف في المحطّات الّتي توقّف فيها كلّ النّاس .

اترك تعليقاً